قبل كم سنة، مر الوالد، الله يطول بعمره ويعطيه الصحة، بفترة صعبة. كحّة ناشفة ما كانت تفارقه، وتعب عام خلاه يلازم الفراش. رحنا على أكتر من دكتور، وعملنا صور أشعة وتحاليل، وكل مرة كان الجواب “مجرد التهاب بسيط” أو “شوائب من أثر العمر”. لكن قلبي ما كان مرتاح، إحساس المبرمج اللي شايف “bug” في النظام بس مش عارف يحدد مصدره.
بعد أسابيع من القلق، أصرّينا على استشارة أخصائي أشعة خبير، رجل كبير في السن “شقّت التجاعيد وجهه زي سطور الكود المعتق”. أخذ صورة الأشعة، ووضعها على الضوء، وقضى دقائق طويلة يتأملها بصمت. بعدها، أشار بقلمه على نقطة صغيرة، باهتة جدًا، وقال: “شايفين هاي؟ هاي مش طبيعية”. كانت عقدة صغيرة في مرحلتها الأولى، فاتت على عيون غيره، لكن خبرته الطويلة التقطتها. الحمد لله، تم التعامل معها في الوقت المناسب، والوالد اليوم بصحة وعافية.
هذا الموقف، يا جماعة، ما بفارق بالي. كل ما أكتب سطر كود لنموذج ذكاء اصطناعي، بتذكر تلك النقطة الباهتة. وبتساءل: ماذا لو كان هناك نظام ذكاء اصطناعي، مُدرّب على ملايين الصور، يستطيع أن يرى ما لا تراه العين المجهدة؟ ماذا لو كان بإمكانه أن يهمس في أذن الطبيب: “يا دكتور، دير بالك، في إشي هون بستحق نظرة أعمق”؟
هذا “ماذا لو” لم يعد خيالًا علميًا. إنه الواقع الذي يتشكل أمامنا، ثورة هادئة تُقدر قيمتها السوقية قريبًا بتريليون دولار، وهي ليست ثورة آلات، بل ثورة في إنقاذ الأرواح.
قفزة نوعية في اقتصاديات الصحة: من المليار إلى التريليون
لم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) مجرد فكرة تجريبية في أروقة المستشفيات؛ بل أصبح اليوم المحرك الأساسي لمستقبل الطب الحديث. الأرقام لا تكذب، وتشير البيانات السوقية إلى تحول زلزالي في هذا القطاع. يُقدر حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية حاليًا بحوالي 39.34 مليار دولار في عام 2025.
لكن المثير ليس الحاضر، بل المستقبل القريب. التوقعات تشير إلى نمو صاروخي ليصل هذا السوق إلى 1033.27 مليار دولار بحلول عام 2034. هذا النمو الهائل لا يعكس مجرد استثمار مالي، بل هو اعتراف بأن هذه التكنولوجيا انتقلت من “مرحلة الإبهار” إلى “مرحلة الضرورة القصوى” في البنية التحتية الطبية العالمية.
هيمنة التشخيص عبر الصور (Radiology & Imaging)
في الوقت الراهن، يتربع قطاع التشخيص الإشعاعي والتصوير الطبي على عرش تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مستحوذًا على حصة ضخمة تبلغ 40% من السوق. هذا ليس مفاجئًا، فالصور الطبية هي بيانات بصرية غنية، والذكاء الاصطناعي، وتحديدًا الشبكات العصبية الالتفافية (CNNs)، بارع في تحليلها.
كيف يعمل الذكاء الاصطناعي هنا؟ لا يهدف ليحل محل طبيب الأشعة، بل ليكون “العين الثالثة” الخارقة له. هذه الخوارزميات، التي تدربت على ملايين الصور، تستطيع تحليل كل بيكسل في صور الأشعة السينية (X-rays)، الرنين المغناطيسي (MRI)، والأشعة المقطعية (CT Scans) لاكتشاف أنماط دقيقة قد تغيب عن العين البشرية المجهدة، مثل الكسور الشعرية الدقيقة أو الأورام في مراحلها الأولية جدًا، تمامًا مثل تلك النقطة الباهتة في صورة الوالد.
نصيحة أبو عمر العملية: لمن يعمل في هذا المجال، السر ليس في بناء النموذج الأكثر تعقيدًا، بل في جودة البيانات. “Garbage in, garbage out” (المدخلات السيئة تعطي مخرجات سيئة). قضاء 80% من وقتك في تنظيف وتصنيف وتنظيم بيانات الصور الطبية سيجعل نموذجك أكثر دقة وقيمة من أي معمارية معقدة تعمل على بيانات فوضوية.
لتقريب الفكرة، إليك مثال بسيط لكيفية تدريب نموذج كهذا (كود مفاهيمي بلغة Python):
# 1. استيراد المكتبات اللازمة
import tensorflow as tf
from tensorflow.keras.models import Sequential
from tensorflow.keras.layers import Conv2D, MaxPooling2D, Flatten, Dense
# 2. بناء معمارية الشبكة العصبية الالتفافية (CNN)
model = Sequential([
# الطبقة الأولى: تبحث عن الحواف والخطوط
Conv2D(32, (3, 3), activation='relu', input_shape=(256, 256, 1)),
MaxPooling2D((2, 2)),
# الطبقة الثانية: تبحث عن أنماط أكثر تعقيدًا
Conv2D(64, (3, 3), activation='relu'),
MaxPooling2D((2, 2)),
# تسطيح البيانات لتحضيرها للطبقة النهائية
Flatten(),
# طبقة التصنيف النهائية
Dense(1, activation='sigmoid') # 0 = سليم, 1 = ورم
])
# 3. تجميع النموذج وتحديد دالة الخسارة والمُحسِّن
model.compile(optimizer='adam',
loss='binary_crossentropy',
metrics=['accuracy'])
# 4. تدريب النموذج على مجموعة بيانات ضخمة من صور الأشعة المصنفة
# model.fit(train_images, train_labels, epochs=50)
print("النموذج جاهز الآن لتحليل صور جديدة!")
هذا الكود هو مجرد هيكل، لكنه يوضح المنطق: طبقات فوق طبقات، كل واحدة تتعلم ميزة أكثر تعقيدًا من التي قبلها، وصولًا إلى قرار تشخيصي دقيق.
الحصان الأسود: مراقبة المرضى وإدارتهم
بينما يسيطر التصوير الطبي حاليًا، فإن اللقب المتوقع لـ “أسرع القطاعات نموًا” يذهب إلى مجال مختلف تمامًا: مراقبة المرضى وإدارتهم (Patient Monitoring & Management). هذا التحول مدفوع بالحاجة الملحة لرعاية مستمرة ووقائية خارج جدران المستشفى والعيادة.
فكر في الأمر: الساعات الذكية التي نرتديها، أجهزة قياس السكر المستمرة، المستشعرات المنزلية الذكية… كل هذه الأجهزة هي مناجم ذهب للبيانات الصحية. يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل هذه البيانات الحيوية لحظيًا للتنبؤ بالمشاكل قبل وقوعها. تخيل نظامًا يحلل بيانات تخطيط القلب من ساعتك على مدار اليوم، ويطلق تنبيهًا لك ولطبيبك قبل ساعات من حدوث نوبة قلبية محتملة. هذا هو مستقبل الرعاية الوقائية.
آفاق 2026: الجيل الجديد من التطبيقات الطبية
مع دخولنا عام 2026 وما بعده، سنشهد نضوج ثلاث تقنيات رئيسية ستغير قواعد اللعبة بشكل جذري.
1. النماذج متعددة الوسائط (Multimodal Models)
لن يقتصر التحليل على الصور فقط. الأنظمة الجديدة ستمتلك القدرة على “الفهم الشامل” للحالة المرضية. ستقوم هذه النماذج بتحليل الصورة الإشعاعية، وفي نفس الوقت تقرأ السجل الطبي النصي للمريض، وتستوعب نتائج المختبر الرقمية، وتأخذ في الاعتبار تاريخه العائلي. من خلال دمج كل هذه المصادر، تقدم تشخيصًا موحدًا وشاملًا وأكثر دقة من أي مصدر بمفرده.
2. دعم القرار السريري المدمج (Integrated CDS)
سينتقل الذكاء الاصطناعي من كونه برنامجًا منفصلًا يفتحه الطبيب عند الحاجة، إلى جزء لا يتجزأ من سير العمل اليومي (Workflow). سيظهر كمساعد ذكي داخل أنظمة السجلات الطبية الإلكترونية التي يستخدمها الطبيب بالفعل. أثناء كتابة الطبيب لملاحظاته، قد يقترح النظام تشخيصات محتملة، أو عند وصف دواء، قد ينبهه إلى تفاعل دوائي خطير بناءً على جينات المريض. الهدف هو جعل الذكاء غير مرئي ولكنه حاضر دائمًا للمساعدة.
3. الطب الشخصي (Personalized Medicine)
هنا يكمن الوعد الأكبر. سنودع مبدأ “دواء واحد يناسب الجميع”. سيقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل الجينوم الخاص بالمريض، وخصائص مرضه البيولوجية، وتاريخه الصحي، لتقديم توصيات علاجية وجرعات دواء “فُصّلت خصيصًا” له. بدلًا من تجربة عدة علاجات، سيوجه الذكاء الاصطناعي الطبيب مباشرة إلى العلاج الأكثر فعالية لهذا المريض تحديدًا، مما يوفر وقتًا ثمينًا ويقلل من الآثار الجانبية.
التحدي الأكبر: الثقة، الشفافية، والتنظيم
رغم كل هذا التقدم المبهر، تظل هناك عقبة كبرى: مشكلة “الصندوق الأسود” (The Black Box). الأطباء، وبحق، لن يثقوا في نظام يقول “هناك ورم بنسبة 98%” دون أن يوضح “لماذا”. وكذلك المرضى وهيئات التنظيم.
لهذا السبب، يتركز الكثير من الجهد البحثي حاليًا على ما يسمى بالذكاء الاصطناعي القابل للشرح (Explainable AI – XAI). الهدف هو جعل النماذج قادرة على تبرير قراراتها بلغة يفهمها البشر. بدلًا من مجرد نتيجة، سيقول النموذج: “لقد حددت هذا الورم بنسبة ثقة 95% بسبب عدم انتظام الحواف، والكثافة غير المتجانسة للأنسجة في هذه المنطقة المحددة”، وربما يعرض خريطة حرارية على الصورة توضح المناطق التي ركز عليها لاتخاذ قراره.
هذه الشفافية ليست رفاهية تقنية، بل هي حجر الزاوية لبناء الثقة والامتثال للمعايير الأخلاقية والتنظيمية الصارمة التي تفرضها الهيئات الصحية العالمية مثل FDA و EMA.
الخلاصة: من كود إلى حياة ❤️
نحن لا نقف على أعتاب عصر جديد للطب فحسب، بل نشارك في بنائه. الانتقال من سوق بـ 39 مليار دولار إلى تريليون دولار ليس مجرد رقم مالي يُبهر المستثمرين، بل هو مؤشر حقيقي على عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها، والأمراض التي يمكن اكتشافها مبكرًا، وجودة الحياة التي يمكن تحسينها لملايين البشر، مثل والدي وغيره الكثير.
التحدي الآن لم يعد في تطوير التكنولوجيا فقط، بل في كيفية دمجها بأمان وشفافية ومسؤولية داخل النسيج اليومي للرعاية الصحية. كمبرمجين ومطورين، الكود الذي نكتبه اليوم قد يكون غدًا هو “العين الثالثة” لطبيب، أو “الهمسة المنقذة” لمريض. وهذا، يا جماعة، هو أعظم دافع يمكن أن نحصل عليه.