حين تأمرك المحكمة بتدمير نموذجك: الذكاء الاصطناعي والبيانات غير القانونية

يا جماعة الخير، السلام عليكم. معكم أخوكم أبو عمر.

بتذكر قبل سنوات طويلة، في بداية مسيرتي المهنية، كنت شغال مع شركة ناشئة صغيرة بتحاول تعمل تطبيق خرائط وملاحة. كان الحماس ماكلنا أكل، والسهر للصبح إشي عادي. في يوم من الأيام، واحد من الشباب المتحمسين زيادة عن اللزوم، لقى طريقة “ذكية” -هيك كان مفكر- إنه يسحب (Scrape) كمية ضخمة من بيانات المواقع ونقاط الاهتمام من تطبيق منافس كبير ومعروف. وقتها، ما فكرنا فيها كتير، قلنا “يا عمي فرصة وجت لعندنا”، وبنينا كل لوغاريتمات البحث عن أقصر الطرق وأفضل الأماكن على هاي البيانات “المسروقة”.

قضينا شهور طويلة نبني ونطور، والنموذج الأولي كان شغال زي الحلاوة. لما جينا بدنا نطلع للمستثمرين ونحول المشروع لإشي تجاري، جابوا محامي يلقي نظرة. أول سؤال سأله: “من وين جبتوا هاي البيانات؟”. لما حكيناله القصة، مسك راسه وحكالنا جملة ما بنساها بحياتي: “كل الشغل هاد لازم ينكب بالزبالة. مش بس البيانات، كل الخوارزميات اللي بنيتوها عليها ملوثة. لو كملتوا، مش بس رح ترفع عليكم قضية، رح تجبركم المحكمة تدمروا كل سطر كود كتبتموه لأنه ثمرة لشجرة مسمومة”.

كانت صدمة قاسية، وخسارة كبيرة للوقت والجهد. هاي القصة الصغيرة هي بالضبط ما يحدث اليوم على نطاق عالمي، ولكن مع شركات عملاقة ونماذج ذكاء اصطناعي تساوي الملايين.

المطرقة القانونية تسقط: حين تقول الهيئات التنظيمية “دمّر النموذج!”

في السنة الأخيرة، شفنا تحول كبير في كيفية تعامل الهيئات التنظيمية، مثل لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC)، مع الذكاء الاصطناعي. زمان، كانت العقوبة على جمع البيانات بشكل غير قانوني تقتصر على غرامة مالية وحذف البيانات. اليوم، تغيرت اللعبة. صارت الهيئات تأمر الشركات ليس فقط بحذف البيانات، بل بتدمير النماذج والخوارزميات التي تم تدريبها على تلك البيانات. هذا الإجراء يُعرف بـ “التجريد الخوارزمي” أو (Algorithmic Disgorgement).

قضية Avast: ثمن بيانات التصفح “المجهولة”

شركة Avast، المعروفة ببرنامجها لمكافحة الفيروسات، قامت بجمع بيانات تصفح تفصيلية من ملايين المستخدمين. كانت تدعي أن هذه البيانات “مجهولة الهوية” (Anonymized) وتبيعها لشركات أخرى. لكن التحقيقات أثبتت أن عملية إخفاء الهوية لم تكن كافية، وأنه يمكن بسهولة إعادة ربط البيانات بأفراد معينين.

ماذا كان قرار الـ FTC؟ بالإضافة إلى غرامة مالية، أُجبرت Avast على التوقف عن بيع البيانات، والأهم من ذلك، أُمرت بتدمير كل النماذج والخوارزميات التي طورتها باستخدام هذه البيانات التي تم جمعها بشكل غير عادل. هذا يعني أن كل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي المبني على تلك البيانات ذهب هباءً منثورًا.

قضية X-Mode Social: تتبع المواقع الحساسة

شركة أخرى، X-Mode Social، كانت توفر للمطورين حزمة تطوير برمجيات (SDK) ليدمجوها في تطبيقاتهم. هذه الحزمة كانت تجمع بيانات الموقع الجغرافي الدقيقة من المستخدمين، ثم تبيعها لأطراف ثالثة. المشكلة أن هذه البيانات شملت زيارات لأماكن حساسة جدًا مثل العيادات الطبية، أماكن العبادة، ومراكز علاج الإدمان.

مرة أخرى، لم تكتفِ الـ FTC بالغرامة. صدر أمر صريح بتدمير جميع النماذج والبيانات المشتقة التي تم إنشاؤها من هذه المواقع الحساسة. الرسالة كانت واضحة: لا يمكنك الاستفادة من ثمار انتهاك الخصوصية.

لماذا لا نكتفي بحذف البيانات؟ نظرية “النموذج الملوث”

قد يسأل سائل: “طيب ليش كل هالغلبة؟ ليش ما نحذف البيانات غير القانونية من مجموعة التدريب (Dataset) والسلام؟”.

الجواب بسيط ومقلق في نفس الوقت. عندما تُدرّب نموذج ذكاء اصطناعي، فإنه لا “يحفظ” البيانات كما هي، بل “يتعلم” الأنماط والعلاقات الكامنة فيها. هذه الأنماط تصبح جزءًا لا يتجزأ من بنية النموذج الرياضية الداخلية (الأوزان والانحيازات – Weights and Biases).

تخيل أنك خبزت كعكة باستخدام بيض فاسد. هل يمكنك بعد خبز الكعكة أن “تزيل” أثر البيض الفاسد منها؟ بالطبع لا. الكعكة بأكملها أصبحت فاسدة. النموذج هو الكعكة، والبيانات غير القانونية هي البيض الفاسد.

من منظور قانوني، النموذج نفسه أصبح “أثرًا ماديًا” للخرق. الاحتفاظ به يعني استمرار الاستفادة من الجريمة الأصلية. لذلك، فإن تدميره هو الطريقة الوحيدة لضمان محو كل آثار الانتهاك.

المعضلة التقنية: “إلغاء التعلم” أم التدمير الكامل؟

هذا الوضع القانوني الجديد فتح بابًا لنقاش تقني عميق. هل يمكننا هندسيًا أن نجعل النموذج “ينسى” البيانات التي تعلمها؟ أم أن التدمير وإعادة البناء من الصفر هو الحل الوحيد؟

وعد “إلغاء تعلم الآلة” (Machine Unlearning)

هذا مجال بحثي نشط جدًا في الذكاء الاصطناعي. الفكرة هي تطوير تقنيات تسمح بإزالة تأثير مجموعة معينة من بيانات التدريب من النموذج النهائي، دون الحاجة إلى إعادة تدريبه بالكامل من الصفر. هذا الأمر مكلف حسابيًا ومعقد للغاية.

الفكرة نظريًا تبدو هكذا (هذا كود مفاهيمي للتوضيح وليس للتنفيذ):


# --- كود مفاهيمي للتوضيح فقط ---

# 1. النموذج الأصلي تم تدريبه على كل البيانات
original_model = train_model(all_data)

# 2. اكتشفنا أن جزءًا من البيانات غير قانوني
illegal_data_subset = find_illegal_data(all_data)

# 3. محاولة "إلغاء التعلم" (العملية المعقدة)
# هذه الدالة غير موجودة في المكتبات القياسية وهي مجال بحثي
try:
    unlearned_model = machine_unlearning.forget(
        model=original_model, 
        data_to_forget=illegal_data_subset
    )
except NotImplementedError:
    # 4. الحل الواقعي والآمن قانونيًا اليوم
    print("إلغاء التعلم غير ممكن أو غير مضمون. سنقوم بإعادة التدريب.")
    clean_data = remove_illegal_data(all_data)
    new_model = train_model(clean_data) # إعادة التدريب من الصفر

المشكلة الأساسية في “إلغاء التعلم” هي صعوبة إثبات أن النموذج قد “نسي” تمامًا. كيف يمكنك أن تضمن للمحكمة بنسبة 100% أنه لا يوجد أي أثر للبيانات المحذوفة في سلوك النموذج؟ هذا شبه مستحيل حاليًا.

لماذا يبقى التدمير هو الخيار الأضمن (في الوقت الحالي)

لهذا السبب، يظل التدمير الكامل وإعادة التدريب على بيانات نظيفة هو المعيار الذهبي للالتزام القانوني. إنه حل واضح، قاطع، ويمكن إثباته. بالنسبة للهيئات التنظيمية، هو الحل الذي لا يترك مجالًا للشك. وبالنسبة للشركات، رغم تكلفته العالية، إلا أنه يمثل إعادة ضبط نظيفة للمشروع بأكمله.

نصائح أبو عمر: كيف تحمي نفسك وشركتك

الشغلة مش لعبة يا جماعة. بناء نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد مجرد تحدٍ تقني، بل هو تحدٍ قانوني وأخلاقي بالدرجة الأولى. من خبرتي، إليكم بعض النصائح العملية.

للشركات ومدراء المشاريع

  • توثيق سلسلة حيازة البيانات (Data Lineage): يجب أن تعرف مصدر كل بايت يدخل في تدريب نماذجك. من أين أتى؟ كيف تم جمعه؟ ما هي الموافقات التي تم الحصول عليها؟ احتفظ بسجل واضح ومفصل.
  • دقق في عقودك مع الأطراف الثالثة: إذا كنت تشتري بيانات من وسطاء (Data Brokers)، يجب أن تتضمن عقودك بنودًا تمنحك الحق في مراجعة مصادرهم وطرق جمعهم للبيانات، مع حقك في إيقاف الاستخدام فورًا إذا تبين وجود أي مخالفة. لا تثق بكلمة “بياناتنا متوافقة مع القوانين” دون دليل.
  • استثمر في حوكمة البيانات: عين مسؤولين عن حوكمة البيانات (Data Governance) تكون مهمتهم التأكد من شرعية ونظافة كل مصادر البيانات قبل أن تصل إلى أيدي مهندسي الذكاء الاصطناعي.

للمطورين ومهندسي البيانات

  • كن خط الدفاع الأول: أنت من يكتب pd.read_csv('magical_dataset.csv'). قبل أن تكتب هذا السطر، اسأل: “من أين أتى هذا الملف؟”. لا تفترض حسن النية.
  • اعتبر البيانات غير الموثقة قنبلة موقوتة: أي نموذج تبنيه على بيانات مجهولة المصدر هو مخاطرة كبيرة على الشركة وعلى مستقبلك المهني. كن فضوليًا وشكاكًا.
  • وثّق مصادرك في الكود: حتى لو كان مشروعًا داخليًا، اترك تعليقًا في الكود أو في ملف README يوضح مصدر البيانات التي استخدمتها. هذا قد ينقذ شركتك (وينقذك) في المستقبل.

الخلاصة: الكود النظيف يبدأ ببيانات نظيفة 🧼

الخلاصة يا حبايب، إن عصر “اجمع كل البيانات التي تصل إليها يدك ثم فكر لاحقًا” قد انتهى بلا رجعة. القضايا الأخيرة ضد شركات مثل Avast و X-Mode ليست مجرد حوادث فردية، بل هي بداية لعهد جديد من المساءلة في عالم الذكاء الاصطناعي.

بناء منتج رائع تقنيًا لم يعد كافيًا. يجب أن يكون مبنيًا على أساس أخلاقي وقانوني صلب. وتذكروا دائمًا قصة أبو عمر مع تطبيق الخرائط: الشجرة المسمومة لا تثمر إلا فاكهة مسمومة، والنموذج المبني على بيانات مسروقة هو نموذج مصيره التدمير. استثمروا في نظافة بياناتكم اليوم، حتى لا تضطروا لتدمير عمل شهور وسنوات غدًا.

يلا، شدّوا حيلكم وخليكم دايماً في الجانب السليم من القانون والأخلاق.

أبو عمر

سجل دخولك لعمل نقاش تفاعلي

كافة المحادثات خاصة ولا يتم عرضها على الموقع نهائياً

آراء من النقاشات

لا توجد آراء منشورة بعد. كن أول من يشارك رأيه!

آخر المدونات

أتمتة العمليات

قهوتك الصباحية مع ملخص الإنجازات: كيف تبني داشبورد يومي يصلك على الموبايل باستخدام n8n والذكاء الاصطناعي

كف عن تشتيت نفسك كل صباح بين Jira وGitHub والإيميلات. تعلم معي، أبو عمر، كيف تبني ورك فلو أتمتة يرسل لك ملخصاً ذكياً ومنسقاً بإنجازات...

12 فبراير، 2026 قراءة المزيد
البودكاست