أذكرها جيداً تلك الليلة، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً وأنا جالس أمام شاشاتي الثلاث، أراقب عن كثب تدريب نموذج ذكاء اصطناعي معقد. كانت الأرقام والسجلات (Logs) تتدفق على شاشة الطرفية كشلال منهمر، وفجأة، لمح بصري سطراً أحمر اللون يحمل في طياته رائحة خطأ كارثي. حاولت بسرعة أن أوقف تدفق السجلات لأقرأ الخطأ، لكن الطرفية التي كنت أستخدمها تجمدت لثوانٍ بدت كدهر. يا زلمة، شعرت بالعجز! كلما حاولت التمرير للأعلى (scroll up)، كانت تستجيب ببطء شديد، وكأنها تسير في وحل. ضاع الخطأ في خضم آلاف الأسطر الجديدة، واضطررت لإعادة العملية التي كلفتني ساعات من الانتظار. في تلك اللحظة، قلت لنفسي: “خلص، بكفي! مش معقول في ٢٠٢٦ وبعدنا بنعاني من بطء أبسط أداة عند المبرمج”. ومن هنا بدأت رحلة بحثي عن الأداة المثالية، رحلة قادتني إلى اكتشاف يُدعى Ghostty.
لماذا نهتم بالطرفية أصلاً في عصر الواجهات الرسومية؟
قد يسأل سائل: “يا أبو عمر، مع وجود بيئات تطوير متكاملة (IDEs) قوية مثل VS Code و IntelliJ، لماذا كل هذا الاهتمام بالطرفية السوداء القديمة؟”. الجواب يكمن في العودة إلى الجذور والأصالة. في السنوات الأخيرة، لاحظنا توجهاً متزايداً بين المطورين المحترفين للعودة إلى الأدوات الأصلية (Native Tools). السبب؟ السرعة، التحكم الكامل، واستهلاك الموارد المنخفض.
الكثير من الأدوات الحديثة مبنية على تقنيات الويب (مثل Electron)، وهي ممتازة لسهولة التطوير ومتعددة المنصات، لكنها تأتي على حساب الأداء. عندما تقضي 8 ساعات يومياً أو أكثر أمام الطرفية، فإن كل ميلي ثانية من التأخير (Latency) تفرق. إنها ليست مجرد أداة، بل هي ورشة عملك، مساحتك الخاصة التي تشكّل فيها الأوامر والأفكار إلى واقع. الطرفية السريعة تجعل التفاعل مع النظام سلساً وممتعاً، أما البطيئة فتضع حاجزاً بينك وبين إبداعك.
Ghostty: الهندسة المعمارية وراء السرعة الخارقة
Ghostty ليست مجرد طرفية أخرى بتصميم جميل. إنها إعادة تفكير جذرية في كيفية بناء الطرفية من الصفر. يقف خلف هذا المشروع العبقري Mitchell Hashimoto، الاسم الذي يعرفه كل من عمل في مجال DevOps، فهو مؤسس HashiCorp (الشركة وراء أدوات أسطورية مثل Vagrant, Terraform, و Consul). هذا بحد ذاته يعطي المشروع ثقلاً كبيراً.
تعتمد Ghostty على ركيزتين أساسيتين لتحقيق أدائها المذهل:
1. لغة البرمجة Zig: البساطة والقوة معاً
بدلاً من استخدام لغات شائعة مثل C++ أو Rust، اختار Mitchell لغة Zig. وهذا الاختيار لم يكن عشوائياً. لغة Zig هي لغة برمجة حديثة تركز على:
- الأداء العالي: تمنحك تحكماً دقيقاً في الذاكرة والسلوكيات منخفضة المستوى (low-level) كما في لغة C، ولكن مع تجنب الكثير من مشاكلها ومخاطرها.
- البساطة: فلسفة اللغة هي “لا يوجد سحر خفي”. الكود واضح ومباشر، مما يسهل صيانته وتطويره وتجنب الأخطاء غير المتوقعة.
- الأمان: توفر آليات قوية للتعامل مع الأخطاء وإدارة الذاكرة بشكل يجعل كتابة برامج مستقرة أمراً أسهل بكثير من C.
باختصار، Zig هي التوازن المثالي بين قوة C وأمان اللغات الحديثة، مما يجعلها خياراً مثالياً لبناء برمجيات أساسية عالية الأداء مثل الطرفية.
2. تسريع العتاد (GPU Acceleration): سر زمن الاستجابة شبه المعدوم
هنا يكمن السحر الحقيقي! معظم الطرفيات التقليدية تعتمد على المعالج المركزي (CPU) لرسم كل حرف على الشاشة. عندما يكون لديك آلاف الأسطر التي تتغير بسرعة، يصبح هذا عبئاً كبيراً على الـ CPU، مما يسبب التقطيع والبطء الذي عانيت منه.
Ghostty تتبع نهجاً مختلفاً تماماً. إنها تفوّض مهمة الرسم بالكامل إلى معالج الرسوميات (GPU). فكر في الأمر بهذه الطريقة:
الطريقة التقليدية (CPU): المعالج الرئيسي مشغول بتنفيذ الأوامر، وفي نفس الوقت يُطلب منه أن يرسم حرفاً تلو الآخر على الشاشة.
طريقة Ghostty (GPU): المعالج الرئيسي يرسل البيانات (النص) إلى معالج الرسوميات ويقول له: “يا صديقي، هذه هي البيانات، تولى أنت مهمة عرضها على الشاشة”. معالج الرسوميات، المصمم خصيصاً للقيام بآلاف العمليات المتوازية بسرعة، يرسم الشاشة بأكملها في جزء من الثانية.
النتيجة؟ زمن استجابة (latency) منخفض جداً، يقاس بالميكروثانية وليس الميلي ثانية. التمرير سلس، تدفق النصوص فوري، والتفاعل مع الطرفية يبدو وكأنك تلمس النظام مباشرةً بأصابعك.
نصيحة من أبو عمر: مفهوم تسريع العتاد ليس جديداً، فالألعاب ومتصفحات الويب تستخدمه منذ سنوات. لكن تطبيقه بهذه الكفاءة في طرفية هو ما يجعل Ghostty ثورية. إذا كنت تعمل مع أدوات تخرج كميات هائلة من البيانات النصية (مثل مراقبة الأنظمة، سجلات Kubernetes، أو تدريب نماذج AI)، ستشعر بالفرق فوراً.
ميزات وظيفية وجمالية تليق بمطور 2026
السرعة وحدها لا تكفي. Ghostty تأتي مع مجموعة من الميزات الحديثة التي تجعل تجربة الاستخدام متكاملة وممتعة:
- دعم الـ Ligatures: تقوم تلقائياً بدمج رموز معينة لإنشاء رمز واحد أكثر جمالاً وقراءة. على سبيل المثال،
=>تصبح⇒، و!=تصبح≠. هذه اللمسة الجمالية تجعل قراءة الكود مريحة للعين. - دعم الألوان المتقدم (True Color): تدعم 24-bit color بشكل كامل، مما يعني أن ثيماتك في Neovim أو الألوان في أدوات مثل
lsdوbatستظهر بجمالها الكامل ودقتها الأصلية. - التقسيم الذكي للشاشة (Panes): يمكنك تقسيم شاشة الطرفية إلى أجزاء متعددة (Panes) بسهولة، تماماً كما في
tmux، ولكن بشكل أصلي (native) وسريع جداً وبدون الحاجة لتشغيل أداة إضافية. - عزل الجلسات (Session Isolation): كل تبويب (Tab) يعمل في عملية معزولة. هذا يعني أنه إذا انهار شيء ما في تبويب واحد، فلن يؤثر على بقية التبويبات المفتوحة.
التوافق والمنصات المدعومة
حتى كتابة هذه السطور، Ghostty متاحة رسميًا لنظامي Linux و macOS. بالنسبة لمستخدمي Linux، تعتمد الواجهة الرسومية على مكتبة GTK، مما يضمن تكاملاً جيداً مع معظم بيئات سطح المكتب الشهيرة مثل GNOME و XFCE. أما على macOS، فتستخدم الواجهات الأصلية للنظام لتقديم تجربة متناغمة.
للأسف، لا يوجد دعم رسمي لنظام Windows بعد، ولكن بالنظر إلى طبيعة المشروع، قد نرى ذلك في المستقبل.
الخلاصة: هل تستحق Ghostty الانتقال إليها؟ 🤔
بعد استخدامي لـ Ghostty لعدة أشهر في عملي اليومي، من تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي إلى إدارة الخوادم، يمكنني أن أقول بثقة: نعم، وبقوة، ولكن بشروط.
إذا كنت مستخدماً عادياً للطرفية، تفتحها بين الحين والآخر لتنفيذ أمر أو أمرين، فقد لا تشعر بالفرق الجوهري الذي يبرر الانتقال. لكن، إذا كنت من “سكان الطرفية” (Power Users) – مطوراً، مهندس DevOps، باحثاً، أو أي شخص يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة السوداء – فإن Ghostty ستغير قواعد اللعبة بالنسبة لك.
إنها ليست مجرد أداة، بل هي استثمار في إنتاجيتك وراحتك النفسية. التخلص من ذلك التأخير البسيط والمتكرر يحرر عقلك للتركيز على حل المشكلات الحقيقية بدلاً من محاربة أدواتك.
نصيحة أخيرة من أخوكم أبو عمر: لا تستهن أبداً بأدواتك الأساسية. كما يحرص النجار على أن تكون أدواته حادة ومصقولة، احرص أنت على أن تكون بيئة عملك الرقمية سريعة وفعالة. جرب Ghostty، أعطها فرصة، وقد تكتشف كما اكتشفت أنا، أن الطرفية يمكن أن تكون مصدراً للمتعة والسرعة، لا للإحباط والبطء. 🚀