قبل كم شهر، كنا بنعمل مقابلات لوظيفة مطور برمجيات (Junior Developer). دخل علينا شب، خريج جديد، سيرته الذاتية بتلمع لمع. عشرات المشاريع على GitHub، كل مشروع بستخدم تقنية جديدة طالعة موضة، من Next.js لـ Vector Databases. حكى عن حاله بثقة، واستخدم كل المصطلحات الرنانة اللي ممكن تخطر على بالك. بصراحة، انبهرت في البداية.
قلت في نفسي: “هذا هو الجيل الجديد اللي بدنا ياه، جيل سريع ومتطور”.
لكن لما بلّشنا بالجزء العملي، أعطيته مشكلة بسيطة جداً من واقع شغلنا اليومي. مشكلة مش موجودة في كورس على يوتيوب، ولا إلها حل مباشر على Stack Overflow. كانت عبارة عن Bug غامض في جزء قديم من الكود، محتاج شوية صبر، وقدرة على تتبع الأثر، وقراءة كود مش مكتوب بأفضل طريقة.
وهون، كل الإشي انهار. الشب اللي كان قبل شوي أسد، صار متوتر. فتح جوجل، كتب السؤال بصيغ مختلفة، ما لقى إشي. حاول يسأل ChatGPT، بس ما عرف يصيغ المشكلة صح لأنه ما فهم أصلها. بعد نص ساعة من التخبط، نظر إليّ نظرة فيها يأس وقال: “ما عمري واجهت إشي زي هيك… الكورسات اللي حضرتها ما فيها هيك أمثلة”.
في هذيك اللحظة، ما شفت قدامي مبرمج قليل خبرة، بل ضحية لفقاعة لامعة اسمها “وهم الجاهزية”. فقاعة صنعتها سهولة الوصول للمعلومة، ونفخها الذكاء الاصطناعي، لكنها انفجرت عند أول احتكاك حقيقي مع “شغل” حقيقي.
التعلم البطيء… عندما كانت المعرفة تُبنى لا تُستهلك
خليني أرجع فيكم بالزمن شوي، لأيام الجامعة وبداياتي في عالم البرمجة. في هذيك الأيام، ما كان في “يوتيوب” بالزخم اللي بنعرفه اليوم، ولا كان في ChatGPT يكتبلنا كود. لما كان يمرق علينا مصطلح تقني معقّد، زي الـ Concurrent Processes أو الـ Mutex Lock، كانت الرحلة شاقّة.
كنا نفتح كتب أنظمة التشغيل الضخمة، اللي وزنها كيلو غرامات، ونبحث في الفهرس. ممكن نصل للصفحة 650 لنقرأ تعريف أكاديمي جاف:
“العمليات المتزامنة هي مجموعة من العمليات التي يتم تنفيذها في فترات زمنية متداخلة.”
تعريف بسيط، وممكن يكون محبط. لكن الرحلة للوصول إله هي اللي كانت تصنع الفارق. خلال رحلة البحث هاي، كنا بنمر على مصطلحات ما بنبحث عنها أصلاً: شو الفرق بين الـ Process والـ Thread؟ شو يعني Deadlock؟ شو هو الـ Scheduler؟ كنا نبني شبكة معرفية متكاملة بشكل غير مقصود. المعرفة كانت تُبنى طبقة فوق طبقة، زي اللي بيبني حيط طوبة طوبة.
ما يُتعبك في الوصول إليه، يصعب عليك نسيانه. هذا التعب كان هو “المونة” اللي بتلزق الطوب ببعضه، وبتصنع أساس متين.
وهم الجاهزية: عندما يمنحك الذكاء الاصطناعي شعورًا كاذبًا بالقيمة
اليوم، الوضع اختلف 180 درجة. لدينا ملايين الفيديوهات، شروحات فورية، وأدوات ذكاء اصطناعي بتكتب الكود، بتشرحه، وبتقترح حلول. لكن الخطر النفسي الأكبر مش في ضعف المعرفة بحد ذاتها، بل في “الرضا الزائف” اللي بتخلقه هاي الأدوات.
إنه شعور غريب بأنك “فهمت” الموضوع، بينما في الحقيقة، أنت لم تُختبر أصلاً. أنت فقط استهلكت الحل.
الذكاء الاصطناعي لا يقتلك لأنه ذكي، بل لأنه يريحك قبل أن تنضج
المشكلة مش في الـ AI، المشكلة في استخدامه كـ “عكاز” بدل ما يكون “بوصلة”. الشاب المبتدئ اليوم، لما يواجه مشكلة، أول إشي بيعمله هو سؤال الـ AI. بيحصل على إجابة، بينسخها، وبتشتغل. بيشعر بإنجاز فوري. لكن شو اللي صار فعلياً؟
- تجاوز مرحلة التشخيص: هو ما تعلم كيف يحلل المشكلة، ويقسّمها لأجزاء صغيرة.
- تجاوز مرحلة البحث: هو ما تعلم كيف يبحث في التوثيق الرسمي (Documentation)، أو يقرأ كود مكتوب من ناس ثانية.
- تجاوز مرحلة التجربة والخطأ: هو ما جرّب حلول غلط وتعلم ليش هي غلط.
الذكاء الاصطناعي جعله يشعر أنه جاهز، قادر، وفاهم السوق. ثم تأتي أول مواجهة حقيقية في بيئة عمل:
- متطلب من العميل غير واضح ومليان تناقضات.
- Bug غامض في كود قديم بدون أي توثيق.
- قرار معماري لازم تاخده اليوم، وتأثيره بيمتد لسنوات.
وهنا، تسقط الفقاعة. لأن هاي المواقف ما بدها “حل جاهز”، بدها “عقلية حل المشكلات”.
المشكلة الحقيقية: ليست سهولة المعلومة… بل غياب “التشبّع” المعرفي
قد يسأل سائل: هل المشكلة في سهولة الوصول للمعلومة نفسها؟ هل لازم نرجع للكتب الورقية والبحث البطيء؟
الإجابة الدقيقة هي: لا.
المشكلة ليست في السهولة، بل في الكم الهائل من المعلومات الذي لا يُهضم. المتعلم اليوم يستهلك معلومات أكثر بكثير مما يستطيع استيعابه وتثبيته. هو ينتقل من فيديو لفيديو، ومن تقنية لتقنية، بدون ما يعطي أي معلومة حقها من “التشبّع”.
المعرفة لم تعد تُبنى طبقة فوق طبقة، بل تُرمى دفعة واحدة في العقل، فتنهار عند أول ضغط حقيقي. الفرق كبير بين:
- “شاهدت” فيديو عن Docker، و”أتقنت” بناء Dockerfile مُحسَّن لمشروع حقيقي.
- “جرّبت” أمر
git rebase، و”فهمت” كيف بيشتغل داخلياً ومتى ممكن يسبب مشاكل للفريق.
نصيحة عملية: اتبع قاعدة “المشروع الواحد، التقنية الواحدة”
عندما تقرر تعلم تقنية جديدة، لا تكتفِ بمشاهدة كورس. اربطها بمشروع شخصي حقيقي وصغير. إذا كنت تتعلم React، لا تبنِ تطبيق “قائمة مهام” للمرة المليون. فكر في مشكلة صغيرة تواجهك شخصياً وحاول حلها. مثلاً، أداة صغيرة لتتبع مصاريفك الشهرية.
خلال هذا المشروع، ستجبرك الحاجة على التعمق. ستحتاج إلى التعامل مع الحالة (State)، ثم التوجيه (Routing)، ثم الاتصال بواجهة برمجية (API). كل مفهوم ستتعلمه لأنه “ضرورة” للمشروع، وليس لأنه الدرس التالي في الكورس. هذا هو التعلم الذي يرسخ.
لماذا تفشل الهوية التقنية الجديدة في سوق العمل؟
لأن سوق العمل لا يختبر كم فيديو شاهدت، ولا كم أداة تعرف اسمها، ولا كم Prompt تحفظه عن ظهر قلب. سوق العمل يختبر أشياء أعمق بكثير:
- كيف تفكّر عندما لا يوجد حل جاهز؟ (قدرتك على التحليل والتجريب).
- كيف تتصرف عندما لا يعمل الـ AI أو لا يفهم مشكلتك؟ (اعتمادك على نفسك).
- كيف تتحمل الغموض والضغط دون هلع؟ (صلابتك النفسية).
– كيف تقرأ 50 صفحة من وثائق مملة وتستخرج منها قراراً تقنياً؟ (صبرك وقدرتك على التركيز).
الهوية التقنية الحقيقية لا تُبنى بالاختصارات والطرق السريعة. هي نتاج تراكمي لآلاف الساعات من الاحتكاك الحقيقي مع المشاكل.
كيف تبني هوية تقنية صلبة لا تنكسر؟
الخبر الجيد أن الحل ليس بالعودة للعصر الحجري، بل بدمج عقلية “المدرسة القديمة” مع أدوات اليوم الحديثة.
1. اقرأ التوثيق الرسمي (RTFM – Read The Fine Manual)
قبل أن تبحث في جوجل أو تسأل الـ AI، أعطِ نفسك فرصة لقراءة التوثيق الرسمي للغة أو المكتبة التي تستخدمها. قد يبدو الأمر مملاً، لكنه المصدر الأدق والأشمل للمعلومة. ستكتشف خيارات وإمكانيات لم تذكرها 99% من الشروحات السريعة.
2. ابنِ مشاريع “قبيحة” لكنها حقيقية
اترك عنك المشاريع المثالية اللي بتشوفها في الكورسات. ابدأ مشروعاً يحل مشكلة حقيقية لك، حتى لو كان الكود في البداية “قبيحاً” وغير منظم. هذا الكود “القبيح” هو ملعبك الخاص للتعلم. ستقوم لاحقاً بإعادة كتابته (Refactoring) وتحسينه، وهذه العملية بحد ذاتها درس لا يُقدر بثمن في هندسة البرمجيات.
3. استخدم الذكاء الاصطناعي كـ “مساعد خبير” لا كـ “منقذ”
الذكاء الاصطناعي أداة جبارة إذا استُخدمت صح. لا تسأله “كيف أحل المشكلة؟”، بل تعامل معه كزميل لك:
- للتسريع: “لقد قررت استخدام خوارزمية X، هل يمكنك كتابة الهيكل الأساسي لها بلغة Python؟”
- للمراجعة: “هذا هو الكود الذي كتبته لحل المشكلة Y. هل ترى أي تحسينات ممكنة من ناحية الأداء أو القراءة؟”
- لاستكشاف البدائل: “أنا أفكر في استخدام قاعدة بيانات PostgreSQL لهذا المشروع. ما هي السيناريوهات التي قد تكون فيها قاعدة بيانات NoSQL مثل MongoDB خياراً أفضل؟”
المبرمج الذي لا يستطيع العمل بدون AI، سيتم استبداله بـ AI. أما المبرمج الذي يستخدم الـ AI لتعزيز قدراته، فلا يمكن استبداله.
الخلاصة: سوق العمل لا يريد “سوبرمان”… يريد مهندسًا حقيقيًا 👷♂️
في النهاية، سوق العمل لا يبحث عن أسرع إجابة، ولا عن أجمل حساب GitHub، ولا عن الشخص الذي يعرف كل التقنيات الجديدة. السوق يبحث عن شخصية مهنية صلبة.
شخص هادئ أمام المشاكل الغامضة، صبور في البحث والتحليل، وبطيء في تعلمه… لكنه عميق. شخص لا ينفجر عند أول ضغط، ولا ينهار عندما لا يجد حلاً جاهزاً.
هذه الهوية التقنية لا تُشترى بالمال، ولا تُكتسب من كورس مدته 10 ساعات، ولا تُسرّعها أي أداة ذكاء اصطناعي. هي تُبنى… بصبر، واحتكاك، ووجع رأس أحياناً.
وكل طريق مختصر تسلكه اليوم، سيطالبك السوق بثمنه غالياً في المستقبل.